ابن بسام

277

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

سبقه ، وطريقة لا يتوخّاها إلا من رسخت في العلم قدمه ، وترامت به إلى معالي الأمور هممه ؛ ومما يعجب من أمره ، ويرفع الصوت بجلالة قدره [ 1 ] : « أنه استظهر القرآن وعدة من الكتب المجرّدة في اللغة ، ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر [ القديم ، ونظم الشعر ] وتصرّف في النثر ، وبلغ من الخطّ إلى ما يقصّر [ 2 ] عنه نظراؤه ، ومن علم الحساب وجميع الأدوات [ 3 ] إلى ما يستقلّ بدونه الكاتب ، وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة ، واختصر ذلك الكتاب فتناهى في اختصاره ، وأوفى على جميع فوائده ، حتى لم يفته شيء من ألفاظه ، وغيّر من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إلى الاختصار ، وجمع كلّ نوع [ إلى ] ما يليق به » . ولما أوقع الحاكم بأبيه وأهل بيته ونذر دمه ، خرج من مصر معتقدا لعلوّ همّته ، ناشدا لضائع ذمّته ، فأتى مكة فحمل أبا الفتوح [ 4 ] على القيام به ، وقرّب له ما كان يستبعد من طلبها ، وجسّره على أخذ ما كان بها من محاريب الفضة والذهب ، / فضربها دنانير ، وفرّقها على من تبعه من ذؤبان العرب ، ثم سار يدعو إليه ، ويسفر بينه وبين من عسى أن يأبى عليه ، حتى دخل الرملة وصعد منبرها ، فتلا من غير استفتاح لتحميد ولا صلاة على النبيّ عليه السلام قول اللّه تعالى : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً وأومأ بيده إلى مصر ، يعني الحاكم يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ( القصص : 4 ) ثم عاد إلى أبي الفتوح المذكور ، وهزّه لذلك ، فألفى سيفه كهاما ، وسحابه جهاما ، فخرج إلى العراق ، ودخل الكوفة متقربا لسلطانها ثم خافه وزير قرواش [ 5 ] فتقرّب إليه بالمال . وأشار عليه العلاء : 18 ، وصبح الأعشى 14 : 182 ) ولأبي العلاء رسالة أخرى إلى ابن المغربي تعرف بالمنيح ( انظر الرسائل ص 3 ) .

--> [ 1 ] ما بين أقواس صغيرة يكاد أن يكون نصّ ما كتبه والد الوزير المغربي في ابنه ، على ظهر مختصر إصلاح المنطق ، ونقله ابن العديم في بغية الطلب 5 : 17 وما بين معقوفين زيادة منه ، وما جرى إصلاحه فإنما تمّ اعتمادا عليه ، وكذلك هو عند ابن خلكان . [ 2 ] في الأصل : نقد . [ 3 ] ابن العديم : ومن حساب المولد والجبر والمقابلة وجميع الأدوات . . [ 4 ] هو الحسن بن جعفر العلوي ، وقد جوز له الوزير المغربي أخذ مال الكعبة وضربه دراهم ، وتلقب بالراشد باللّه ، وإلى بعض هذا يشير ابن القارح بقوله : « وبغضي له - شهد اللّه - حيا وميتا أوجبه أخذه محاريب الكعبة ، الذهب والفضة وضربها دنانير ودراهم وسماها الكعبية . . » ( رسالة الغفران : 58 ، وانظر بغية الطلب : 5 : 24 ) . [ 5 ] هو المعروف بابن أبي الوزير الكافي ، وكان وزيرا ومدبرا لدولة قرواش بن المقلد ، ويقول ابن العديم أن هذا